سليمان الدخيل

169

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

أن ينفذ إليه ابنه بختيشوع لعلاجه ولما قدم على المأمون فيه سعة العلم بالغ في إكرامه ، ورفع منزلته « 1 » . والخلاصة أن آل جورجيس من الأطباء أجل أهل زمانهم بما خصهم اللّه من ترف النفوس ونبل الهمم ومن البر والمعروف والأفضال والصدقات ، وتفقد المرضى من الفقراء والمساكين والأخذ بيد المنكوبين « 2 » . ونبغ في الطب في بغداد أطباء من أصل سريانى نخص بالذكر منهم يوحنا بن ماسويه ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة ، وله تصانيف قيمة ، وكان يجتمع إليه تلاميذ كثيرون « 3 » ومن أطباء بغداد سهل بن سابور ، وجبريل الكحال ، ومن أطباء المعتصم سلمويه وكان على حد قول المعتصم « يمسك حياته ويدير جسمه « 4 » » . وكان المعتصم ذا بأس وشدة في جسمه وشجاعة في قلبه فلاحظ طبيب المعتصم أنه - أي المعتصم - قد تغير لونه ، وتضاءلت قوته وكان قد خالف رأى طبيبه في الطعام ، إذا كان ينصحه بتجنب الأطعمة العسيرة الهضم ، وكان في أكثر أموره يستمع إلى نصائح طبيبه ، ويكثر مشورته ، ثم عاد فخالف مشورة طبيبه ، حتى أنه كان يأكل ويقول « أكل هذا على رغم أنف ابن ماسويه » « 5 » . وكان على الطبيب أن يلم بالكواكب في كل ما يعرض له من حالات ، فالطبيب أخو المنجم ، فكانت أم جعفر بن أبي الفضل في قصر عيسى بن علي الذي كانت تسكنه تعقد مجلسا لا يجالس فيه إلا الأطباء والمنجمون ، وكانت لا تعرض نفسها للعلاج إلا إذا حضر أهل المهنتين ، وتشكو علتها ، فيتناظر الأطباء فيما بينهم حتى يجتمعوا على العلة والعلاج فإذا كان بينهم اختلاف ، دخل

--> ( 1 ) ابن أبي أصبيعة : طبقات الأطباء ج 2 ص 213 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) ابن العبري : مختصر تاريخ الدول ص 226 . ( 4 ) المصدر السابق ص 243 . ( 5 ) المسعودي : مروج الذهب ج 2 ص 262 .